إتصل بناسجل الزوارمعرض الفيديومعرض الصورمقالات ومدونات الزوارمختاراتمؤلفات محمود درويشالرئيسية
 

هوية الروح

الاجندة 2009-2010

تصويت

ما هو رأيك بفكرة الموقع
 

المتواجدون حالياً

 
البيت قتيلا
طباعة
الكاتب/ Administrator   
21/01/2009


بدقيقة واحدة، تنتهي حياةُ بيتٍ كاملة. البيتُ قتيلاً هو أيضاً قَتْلٌ جماعيّ حتى لو خلا من سُكَّانه. مقبرة جماعية للموادّ الأولية الـمُعَدَّةِ لبناء مبنى للمعنى، أو قصيدةٍ غير ذات شأن في زمن الحرب. البيت قتيلاً هو بَتْرُ الأشياء عن علاقاتها وعن أسماء المشاعر. وحاجةُ التراجيديا إلى تصويب البلاغة نحو التَّبَصُّر في حياة الشيء. في كل شيء كائنٌ يتوجَّع... ذكرى أَصابع وذكرى رائحة وذكرى صورة. والبيوت تُقْتَل ُكما يُقْتَلُ سكانها. وتُقْتَلُ ذاكرةُالأشياء:

الحجر والخشب والزجاج والحديد والإسمنتُ تتناثر أشلاء كالكائنات. والقطن والحرير والكتّان والدفاتر والكتب تتمزّق كالكلمات التي لم يتسَنَّ لأصحابها أن يقولوها. وتتكسَّرالصحون والملاعق والألعاب والأسطوانات والحنفيّات والأنابيب ومقابض الأبواب والثلَّاجة والغسَّالة والمزهريات ومرطبانات الزيتون والمخللات والمعلبات كما انكسر أصحابها. ويُسحق الأبْيَضَان الملح والسُّكَّر، والبهارات وعلب الكبريت وأقراص الدواء وحبوب منع الحمل والعقاقير الـمُنَشطة وجدائل الثوم والبصل والبندورة والبامية الـمُجَفَّفة والأرُزُّ والعدس، كما يحدث لأصحابها. وتتمزَّق عقود الإيجار ووثيقة الزواج وشهادة الميلاد وفاتورة الماء والكهرباء وبطاقات الهوية وجوازات السفر والرسائل الغرامية، كما تتمزّق قلوب أَصحابها.

وتتطاير الصُّوَر وفُرَشُ الأسنان وأمشاط الشَّعْر وأدوات الزينة والأحذية والثياب الداخلية والشراشف والمناشف كأسرار عائلية تُنْشَرُ على الملأ والخراب. كل هذه الأشياء ذاكرةُ الناس التي أُفْرِغَتْ من الأشياء، وذاكرة الأشياء التي أُفْرِغَتْ من الناس... تنتهي بدقيقة واحدة. أشياؤنا تموت مثلنا. لكنها لاتُدْفَنْ معنا!
 
< السابق   التالى >